في المناطق الباردة عبر أمريكا الشمالية وشمال أوروبا وشرق آسيا، تعتمد ملايين الأسر اليوم على المضخات الحرارية الهوائية كمصدر رئيسي للتدفئة في الشتاء. وقد تبدو فكرة قدرة آلة على استخلاص الحرارة من هواء خارجي متجمد أمراً غير مألوف، إلا أن هذه العملية ترتكز على مبادئ الديناميكا الحرارية المعيارية بدلاً من حرق الوقود. فحتى عندما يبدو الهواء الخارجي شديد البرودة، فإنه يظل محتفظاً بطاقة حرارية ما لم يصل إلى الصفر المطلق البالغ 273.15 درجة مئوية تحت الصفر.
استخلاص الحرارة من هواء ما دون الصفر
تعمل المضخة الحرارية الهوائية بطريقة تشبه آلية الثلاجة ولكن بصورة معكوسة؛ فبدلاً من إحراق الغاز أو النفط أو الخشب لتوليد الحرارة، تقوم بنقل الحرارة من الخارج إلى داخل المنزل. ويعود الفضل في هذه العملية إلى حلقة مغلقة من وسيط التبريد (الفريون) تتدفق عبر الوحدة. وتتميز وسائط التبريد الحديثة مثل R-410A وR-32 وR-290 بنقاط غليان منخفضة للغاية، إذ تتحول من الحالة السائلة إلى الغازية بين 40 و50 درجة مئوية تحت الصفر عند الضغط الجوي العادي.
وعندما يمر الهواء الخارجي فوق الملف الخارجي، يتبخر وسيط التبريد السائل بداخله نظراً لأن الهواء الخارجي يُعد أكثر دفئاً من وسيط التبريد نفسه. وبمجرد امتصاص هذا الأخير للحرارة، ينتقل إلى الضاغط (الكمبروسر) الموجود في الوحدة الخارجية. ويعمل ضغط الغاز على رفع ضغطه ودرجة حرارته بشكل ملحوظ لتتجاوز في العادة 45 درجة مئوية. ثم يُوجَّه الغاز الساخن عبر أنابيب إلى مبادل حراري داخلي، مطلقاً الدفء في أرجاء المنزل بينما يتكثف عائداً إلى الحالة السائلة. إثر ذلك، يقوم صمام التمدد بخفض ضغط وسيط التبريد السائل، مما يؤدي إلى تبريده بشدة ليعيد الدورة من جديد.
حلول هندسية للمناخات القاسية
كانت التصاميم القديمة للمضخات الحرارية تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها التشغيلية عند درجات حرارة أدنى من الصفر، إلا أن الوحدات الأحدث المصممة للمناخات الباردة تستخدم تعديلات ميكانيكية دقيقة للحفاظ على قدرتها الإنتاجية حتى 25 درجة مئوية تحت الصفر أو أبرد.
وتعمل الضواغط العاكسة (إنفرتر) متغيرة السرعة على ضبط سرعة محركاتها باستمرار بدلاً من الاقتصار على نمطي التشغيل والإيقاف التقليديين. وفي حالات البرد الشديد، ترفع هذه الضواغط سرعتها لضخ كميات أكبر من وسيط التبريد، مما يعوض نقص كثافة الغاز البارد. كما يعتمد المصنِّعون تقنية «حقن البخار»، التي تعيد توجيه جزء من وسيط التبريد عالي الضغط إلى الضاغط لتبريد المكونات الداخلية بالتوازي مع تعزيز كفاءة الضغط. ويساعد ذلك في الحفاظ على إنتاج حراري كافٍ في درجات الحرارة المتدنية دون تعرض محرك الضاغط للاحتراق.
ومن التحديات التقنية الأخرى أثناء العمل تحت الصفر مشكلة تراكم الصقيع؛ حيث تتجمد الرطوبة العالقة بالهواء الخارجي على الملفات الخارجية الباردة، مما يعيق تدفق الهواء ويعزل الملف عنه. وتتعامل الوحدات الحديثة مع هذا العائق من خلال دورات إذابة صقيع تلقائية؛ إذ يعكس النظام تدفق وسيط التبريد لفترة وجيزة، موجهاً الحرارة نحو الملف الخارجي لإذابة الجليد المتراكم في غضون دقائق معدودة قبل استئناف وضع التدفئة المعتاد.
انخفاض الكفاءة والحدود الفيزيائية
على الرغم من قدرة المضخة الحرارية على مواصلة العمل في ظل الصقيع القارس، فإن كفاءتها تتراجع مع اتساع الفجوة بين درجات الحرارة داخل المبنى وخارجه. وتُقاس كفاءة التدفئة بمعامل الأداء (COP)، وهو مقياس يقارن الطاقة الحرارية الناتجة بالطاقة الكهربائية المستهلكة. وعلى سبيل المقارنة، تمتلك سخانات المقاومة الكهربائية التقليدية معامل أداء يعادل 1.0، أي أن وحدة واحدة من الكهرباء تولد وحدة حرارية واحدة موازية.
وفي درجات الحرارة المعتدلة التي تقارب 8 درجات مئوية، تحقق المضخة الحرارية الفعالة عادةً معامل أداء يتراوح بين 3.5 و4.5. أما عند هبوط الحرارة إلى 15 درجة مئوية تحت الصفر، فإن الكفاءة تنخفض إجمالاً لتتراوح بين 1.5 و2.5. ومع أن الوحدة لا تزال تنتج ضعف كمية الحرارة لكل كيلوواط/ساعة مقارنة بالمدفآت الكهربائية التقليدية، فإن إجمالي طاقتها التدفئية يتراجع في نفس الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة فقدان المبنى للحرارة.
ولكل مبنى ونظام تدفئة ما يُعرف بـ «نقطة التوازن»، وهي درجة الحرارة الخارجية التي يتساوى عندها معدل تدفئة المضخة الحرارية مع معدل فقدان المنزل للحرارة. وتحت هذه الدرجة، يصبح الاعتماد على التدفئة الإضافية أمراً ضرورياً. ولذلك، تشتمل الأنظمة في المناطق الباردة على سخانات مقاومة كهربائية مساعدة مدمجة في وحدات مناولة الهواء، أو تحتفظ بأفران تعمل بالوقود الأحفوري ضمن نظام وقود مزدوج لتجاوز موجات الصقيع الشديدة.
آفاق تطوير التدفئة في الطقس البارد
تخضع الأنظمة السكنية حالياً لتجارب ميدانية ضمن برامج بحثية، من بينها «تحدي المضخات الحرارية للمناخ البارد» التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، وتهدف هذه المبادرات إلى توفير أنظمة تضمن كامل طاقتها التدفئية بنسبة 100% حتى 15 درجة مئوية تحت الصفر دون الحاجة إلى سخانات احتياطية. وفي الوقت ذاته، بدأ المصنعون بطرح نماذج تعتمد غاز البروبان كوسيط تبريد، لما يوفره من كفاءة ديناميكية حرارية أعلى في الأجواء شديدة البرودة، فضلاً عن أثره البيئي المنخفض في ظاهرة الاحتباس الحراري.